مشوارها الفنى تجسيد حقيقى لمفهوم القوة الناعمة فى أروع صورهاأغانيها حققت الانسجام المتكامل فنيا وعاطفيا

31 ديسمبر,باريس,البيئة,القاهرة,مصر,العالم,الدقهلية,صلاح,كليب,الأولى,مميزة

رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمود الشويخ
رئيس مجلس الأمناء والعضو المنتدب
محمد فودة
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمود الشويخ
رئيس مجلس الأمناء والعضو المنتدب
محمد فودة
محمد فودة يكتب:  معجزة "الست".. الاحتفال بمرور 123 عامًا على ميلاد "كوكب الشرق" أم كلثوم

محمد فودة يكتب: معجزة "الست".. الاحتفال بمرور 123 عامًا على ميلاد "كوكب الشرق" أم كلثوم

◄مشوارها الفنى تجسيد حقيقى لمفهوم "القوة الناعمة" فى أروع صورها

◄أغانيها حققت الانسجام المتكامل فنيًا وعاطفيًا وسياسيًا فاستحقت أن تكون "أيقونة كل الأزمنة"

◄عاشت فترة انتقالية مهمة.. وتحولت إلى صوت الوحدة العربية من المحيط إلى الخليج

◄عاصرت جميع مراحل الغناء بداية من عصر "التسجيل الصوتى" إلى زهوة "الراديو" ونجومية "التليفزيون"

 

لا توجد شخصية فنية فى تاريخ الغناء العربى حازت قدرا من الشهرة والتقدير والحب مثل الذى حصلت عليه كوكب الشرق أم كلثوم، تلك الأسطورة المدهشة فى كل شىء التى يحتفى العالم بمرور 123 عامًا على ميلادها فهى بمثابة معجزة حقيقية فى تاريخ الغناء العربى، حيث  إنها منذ بداية مسيرتها الفنية التى امتدت لأكثر من نصف قرن من الزمان، وحتى وفاتها استطاعت أن تكون علامة فارقة فى كل الأزمنة التى عاصرتها أو كما وصفها الناقد الأدبى صلاح فضل "علامة على عصر بأكمله، ومظهر من مظاهر فوران العصر والنهضة والبعث العربى، إذ كانت شخصية واعية ومنخرطة فى مشروع وطنى وقومى يشمل السياسة والاقتصاد والتعليم والفن"، فقد عاصرت أم كلثوم فترات انتقالية مهمة، إذ بدأت مع بداية عصر التسجيل الصوتى وعايشت زهوة عصر السماع فى الراديو وصولًا إلى بداية عصر الصورة.

وتضعنا شخصية أم كلثوم فى حيرة شديدة من حيث استمرارية الإقبال على أغانيها من كافة الأعمار والأجيال، فبرغم التنوع الشديد للأغنية العربية المعاصرة وارتباطها بالفيديو كليب والجوانب التكنولوجية الحديثة، إضافة لما يصاحبها من مساحات مشهدية هائلة، فإن المستمع العربى يعود سيرته الأولى إلى الإقبال على سماع أغانى أم كلثوم، والانتقال من الحالة البصرية للأغنية العربية المعاصرة إلى الحالة السمعية الخاصة بأم كلثوم، كما أن ظاهرة أم كلثوم تؤكد من جديد أن الفن لا يحتاج إلى وسيط.

والحق يقال فإن قراءة متأنية لمسيرة أم كلثوم الفنية تضع أيدينا على شخصية فريدة من نوعها جديرة بأن تفجر بداخلنا مساحات من الطاقة الإيجابية خاصة أن الطريق أمامها لم يكن مفروشًا بالورود بل إنه كان مليئًا بالأشواك والعراقيل.

أم كلثوم هى فاطمة بنت الشيخ إبراهيم السيد البلتاجى المعروفة باسم أم كلثوم وقد ولدت فى 31 ديسمبر من عام 1898 بقرية طماى الزهايرة فى محافظة الدقهلية تربَّت فى بيئة فقيرة لأب كان إمام جامع القرية وأمٍّ اهتمت بتربية أم كلثوم وشقيقيها.

بدأت فى عمر صغير التجوال مع والدها مؤدية الأغانى فى أفراح القرية ومنشدة الآيات القرآنية فى المناسبات الدينية، وكان والدها يقدمها على أنها صبى ففى ذلك الوقت لم يكن مسموحا للمرأة بأن تقرأ القرآن علنًا فى المناسبات، وفى عمر السابعة بدأ يذيع صيتها وبدأت تغنى فى بيوت الأثرياء الذين أُعجبوا بقوة صوتها وأدائها لدرجة أنها حصلت فى إحدى المرات على عشر قروش كإكرامية، وهو مبلغٌ كان يساوى وقتها نصف مرتب والدها، وشيئًا فشيئًا بدأت أم كلثوم التجول فى قرى ومدن محافظات الدلتا لتغنى فى مختلف المناسبات الدينية والعائلية وفى عمر السادسة عشرة لاحظ موهبتها الفذة المغنى والملحن الشهير أبوالعلا محمد، وعازف العود زكريا أحمد، والذى دعاها إلى القاهرة.

وفى أوائل عشرينيات القرن الماضى، وتحديدًا فى عام 1923 قبلت الدعوة وانتقلت عائلتها إلى القاهرة ليتاح لها أن تبدأ مسيرتها نحو الشهرة والنجومية، وبدأت بأخذ دروس الموسيقى وغالبًا مع أساتذة خصوصيين لأن النادى الموسيقى الشرقى فى القاهرة لم يكن يقبل إناثًا بين طلابه فى ذلك الوقت، وبمجرد أن بدأت تقدم العروض الموسيقية تحولت إلى ظاهرة مميزة لجمهور القاهرة الذين لقبوها بـ"البدوية" نظرًا لخلفيتها الريفية وأدائها الموسيقى التقليدى بالإضافة إلى ملابسها التى تعكس البيئة التى تنتمى إليها، فقد كانت ترتدى ملابس من تراث بيئتها الريفية .

واللافت للنظر أن المرحلة المحورية فى مسيرة أم كلثوم المهنية جاءت عام 1926، حين وقعت عقدًا مع شركة تسجيلات لإسطوانات الجرامافون تضمن راتبًا سنويًا لها بالإضافة إلى نسبة على كل أسطوانة يتم بيعها، بعد أن وصلت للأمان الاقتصادى بهذا العقد بدأت تظهر بشكل أكبر كمؤدية محترفة وبملابس عصرية فى وقتها من خلال فساتين طويلة.

وفى نفس الفترة تعرفت على الشاعر أحمد رامى الذى كتب لها 137 أغنية وعلى الملحن محمد القصبجى.

ولكن الأهم من ذلك أنه على الصعيد الموسيقى شهدت أم كلثوم حدثين هامين فى نفس العام دفعا أم كلثوم إلى النجومية، الأول أنها اتخذت قرارًا بألا ترافقها عائلتها مرة أخرى فى حفلاتها الغنائية، وأن يتم تعويضهم بتخت شرقى (فرقة مؤلفة من مجموعة من الموسيقيين والآلات المختلفة) وقامت أم كلثوم بتشكيل هذا التخت من أمهر الموسيقيين وأشهرهم فى عصرها، وهو ما نقلها من مغنية شعبية إلى مطربة محترفة مع موسيقى عصرية ومتطورة، الحدث الثانى المهم فى مسيرتها الغنائية هو تغييرها نمط أغانيها من الأغانى التقليدية والدينية إلى الأغانى المعتمدة على أشعار وألحان حديثة وتنافس أهم الشعراء والملحنين فى ذلك العصر على إعطائها أعمالهم الفنية.

وبحلول عام 1930 أصبحت السينما حديث الشارع المصرى وقد حاولت أم كلثوم ترك بصمتها هناك، فأنتجت ومثَّلت فى عدد من الأفلام التى حملت طابعًا رومانسيًا قريبًا لأغانيها ومن هذه الأفلام: "وداد، نشيد الأمل، دنانير"، ورغم عدم خبرتها التمثيلية فقد أعطيت الصلاحية فى القرارات الهامة فى الأفلام التى غالبًا ما احتوت على فقرات غنائية لكنها كانت قصيرة وبعيدة عن طابع أمسياتها الطويلة.

كانت أربعينيات القرن الماضى الفترة الذهبية لأم كلثوم حيث أطلقت فيلميها الأشهر "سلامة، فاطمة"، الفيلمين اللذين تحدثا عن القيم والأخلاق فى المجتمع المصرى والتى تنتصر على انعدام الضمير والثروة، كما حققت نجاحًا باهرًا من خلال تقديمها الشعر العربى فى حفلاتها بأداء غنائى جميل ولحن أصيل جعل الكثير من الجماهير حتى الأمية منها تحفظ هذا الشعر الصعب عن ظهر قلب.

ومن أهم وأبرز العلامات المضيئة فى مسيرة كوكب الشرق أم كلثوم أن حفلاتها الموسيقية كل خميس والتى كانت تُبث إذاعيًا إلى كل أنحاء الشرق الأوسط كانت محط اهتمام الجماهير التى كانت تنصت بانتباه لكل كلمة وتموج فى هذا الصوت الجميل، وتحليلات أدائها كانت تحتل مساحة واسعة فى نقاشاتهم، مما أكسبها لقب "صوت مصر".

وكانت أم كلثوم على علاقة جيدة مع الملك فاروق، ولها 14 أغنية أطلق عليها الفاروقيات، بعد ثورة 1952، تم إبعادها عن الوسط الفنى وتم منع أغانيها من الإذاعة المصرية بصفتها من العهد البائد فقررت الاعتزال، ولكن عادت للغناء بعد شهرين من المنع، بعد تدخل القيادة السياسية فى ذلك الوقت.

وفى عام 1967 قدمت للمرة الأولى حفلة خارج العالم العربى فى باريس وفى تلك السنة قامت بجولة عربية شملت مدنًا مثل بغداد ودمشق وبيروت وطرابلس لدعم صورة مصر بعد نكسة ٦٧ حيث حملت جواز سفر دبلوماسيًا وكانت تقدم الحفلات وترسل إيراداتها إلى الخزانة المصرية، فقد كانت بمثابة سفيرة لمصر والعرب.

وتقديرًا لمسيرتها الفنية المتميزة حصلت على العديد من الجوائز والأوسمة حيث نالت وسام الأرز ووسام الاستحقاق من الدرجة الأولى عام 1955 من لبنان، وحصلت على جائزة الدولة التقديرية وحصلت على وسام النهضة الأردنى، كما نالت نيشان الرافدين العراقى ووسام الاستحقاق السورى، ووسام نجمة الامتياز الباكستانى بعد غنائها "حديث الروح" للشاعر الباكستانى محمد إقبال، ووسام الكفاءة المغربى.

فى 22 يناير من عام 1975، انتشر خبر مرض أم كلثوم فى الصحف المصرية والعربية وكان هذا الخبر من الأخبار الرئيسة فى الإذاعة والتلفزيون وكان الناس يتبرعون بالدم لها وفى 3 فبراير من عام 1975 ظهر الكاتب يوسف السباعى فى الساعة السادسة مساءً ليلقى خبر وفاتها الذى نزل كالصاعقة على جمهورها فى كافة الأقطار العربية من المحيط إلى الخليج.

وعلى الرغم من مرور كل هذه السنوات على رحيلها فإنها لاتزال تعيش فى وجدان كل من استمع إلى صوتها وكل من عاش معها لحظات الحب والرومانسية أو حتى لحظات التوهج الوطنى من خلال أغنياتها الوطنية الرائعة.